جلال الدين السيوطي

163

الدر المنثور في التفسير بالمأثور

تلقتهما مفازة فأخذا أهبتهما لها فدخلاها فسارا ما شاء الله حتى ظهرا وقد تعالى النهار واشتد الحر ونفد الماء والزاد واستبطأ حماريهما فنزلا فجعلا يشتدان على سوقهما فبينما هما كذلك إذ نظر لقمان امامه فإذا هم بسواد ودخان فقال في نفسه السواد الشجر والدخان العمران والناس فبينما هما كذلك يشتدان إذ وطئ ابن لقمان على عظم في الطريق فخر مغشيا عليه فوثب إليه لقمان عليه السلام فضمه إلى صدره واستخرج العظم بأسنانه ثم نظر إليه فذرفت عيناه فقال يا أبت أنت تبكي وأنت تقول هذا خير لي كيف يكون هذا خيرا لي وقد نفد الطعام والماء وبقيت أنا وأنت في هذا المكان فان ذهبت وتركتني على حالي ذهبت بهم وغم ما بقيت وان أقمت معي متنا جميعا فقال يا بنى أما بكائي فرقة الوالدين وأما ما قلت كيف يكون هذا خيرا لي فلعل ما صرف عنك أعظم ما ابتليت به ولعل ما ابتليت به أيسر مما صرف عنك ثم نظر لقمان امامه فلم ير ذلك الدخان والسواد وإذا بشخص أقبل على فرس أبلق عليه ثياب بيض وعمامة بيضاء يمسح الهواء مسحا فلم يزل يرمقه بعينه حتى كان منه قريبا فتوارى عنه ثم صاح به أنت لقمان قال نعم قال أنت الحكيم قال كذلك فقال ما قال لك ابنك قال يا عبد الله من أنت اسمع كلامك ولا أرى وجهك قال أنا جبريل أمرني ربى بخسف هذه المدينة ومن فيها فأخبرت إنكما تريدانها فدعوت ربى ان يحبسكما عنها بما شاء فحبسكما بما ابتلى به ابنك ولولا ذلك لخسف بكما مع من خسفت ثم مسح جبريل عليه السلام يده على قدم الغلام فاستوى قائما ومسح يده على الذي كان فيه الطعام فامتلأ طعاما وعلى الذي كان فيه الماء فامتلأ ماء ثم حملهما وحماريهما فزجل بهما كما يزجل الطير فإذا هما في الدار الذي خرجا بعد أيام وليال * وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن رباح اللخمي انه لما وعظ لقمان عليه السلام ابنه وقال إنها ان تلك الآية أخذ حبة من خردل فأتى بها إلى اليرموك فألقاها في عرضه ثم مكث ما شاء الله ثم ذكرها وبسط يده فاقبل بها ذباب حتى وضعها في راحته * وأخرج البيهقي في شعب الايمان عن مالك رضي الله عنه قال بلغني أن لقمان عليه السلام قال لابنه ليس غنى كصحة ولا نعيم كطيب نفس * وأخرج البيهقي في شعب الايمان عن وهب ابن منبه رضي الله عنه قال قال لقمان عليه السلام لابنه من كذب ذهب ماء وجهه ومن ساء خلقه كثر غمه ونقل الصخور من مواضعها أيسر من افهام من لا يفهم * وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والبيهقي عن الحسن رضى الله تعالى عنه ان لقمان قال لابنه يا بنى حملت الجندل والحديد وكل شئ ثقيل فلم أحمل شيئا هو أثقل من جار السوء وذقت المر فلم أذق شيئا هو أمر من الفقر يا بنى لا ترسل رسولك جاهلا فإن لم تجد حكيما فكن رسول نفسك يا بنى إياك والكذب فإنه شهي كلحم العصفور عما قليل يقلى صاحبه يا بنى أحضر الجنائز ولا تحضر العرس فان الجنائز تذكرك الآخرة والعرس تشهيك الدنيا يا بنى لا تأكل شبعا على شبع فإنك ان تلقه للكلب خير من أن تأكله يا بنى لا تكن حلوا فتبلغ ولا مرا فتلفظ * وأخرج البيهقي عن الحسن رضى الله تعالى عنه أن لقمان عليه السلام قال لابنه يا بنى لا تكونن أعجز من هذا الديك الذي يصوت بالأسحار وأنت نائم على فراشك * وأخرج عبد الله في زوائده والبيهقي عن عثمان بن زائدة رضى الله تعالى عنه قال قال لقمان عليه السلام لابنه يا بنى لا تؤخر التوبة فان الموت يأتي بغتة * وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي عن سيار بن الحكم قال قيل للقمان عليه السلام ما حكمتك قال لا أسأل عما قد كفيت ولا أتكلف ما لا يعنيني * وأخرج أحمد في الزهد عن أبي عثمان الجعدي رجل من أهل البصرة قال قال لقمان عليه السلام لابنه يا بنى لا ترغب في ود الجاهل فيرى أنك ترضى عمله ولا تهاون بمقت الحكيم فيزهد فيك * وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عكرمة رضى الله تعالى عنه ان لقمان عليه السلام قال لا تنكح أمة غيرك فتورث بنيك حزنا طويلا * وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن محمد بن واسع رضي الله عنه قال كان لقمان عليه السلام يقول لابنه يا بنى اتق الله ولا تر الناس أنك تخشى الله ليكرموك بذلك وقلبك فاجر * وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن جرير عن خالد الربعي رضى الله تعالى عنه قال كان لقمان عبدا حبشيا نجارا فقال له سيده اذبح لي شاة فذبح له شاة فقال له ائتني يا طيب مضغتين فيها فاتاه باللسان والقلب فقال أما كان شئ أطيب من هذين قال لا فسكت عنه ما سكت ثم قال له اذبح لي شاة فذبح له شاة فقال له ألق أخبثها مضغتين فرمى باللسان والقلب فقال أمرتك بان تأتى بأطيبها مضغتين فأتيتني باللسان والقلب وأمرتك أن تلقى